المحقق البحراني
61
الكشكول
إلى شاطئ البحر وذلك بعد أن غرقنا بيومين ونحن نمشي في تلك الجزيرة مدة أيام حتى أهلكنا الجوع والعطش إلى أن صرنا نقتات من هوام الأرض ودود البر والبحر إلى أن أيقنا بالهلاك من عدم القوت ، وكانت جزيرة ممحلة ليس فيها أشجار ولا أثمار حتى وصلنا إلى غابة على شاطئ البحر كثيرة الشجر فرأينا في الغابة فرخ فيل ، فاستبشر أصحابي به وقالوا : نذبح هذا الفرخ ونقتات به فقلت لهم : لا تفعلوا ذلك ولا تأكلوه فانا نخاف أن يأتي أبوه فيقتلنا ، فما التفتوا إلى قولي وذبحوه وأوقدوا نارا وشووا ذلك اللحم وشرعوا في أكله وعرضوا علي فأبيت ولم آكل منه شيئا ولم أوافقهم وأنا خائف أن يصير علينا كما صار على أصحابنا الذين كانوا معنا في المركب الآخر يوم الرخ ، فلم نشعر إلا وطقطقة عظيمة في الشجر وصرخة مزعجة وإذا نحن بالفيل قد أقبل علينا وشم الرائحة فعلم أن ولده مذبوح ، وأما نحن فقمنا هاربين إلى شجرة عظيمة عالية فطلعنا إلى فوقها حتى وصلنا إلى أعلاها وأنا ألوم أصحابي على ما فعلوا ، فأقبل الفيل يركض ويشمر ذيله ويضرب الأشجار بخرطومه حتى جاء إلى المكان الذي ذبح ولده فيه فغيظ غيظا شديدا وصرخ صراخا عاليا وتمرغ بدم ولده وبقي يشم ذلك الجلد ويلحسه حتى رأينا دموعه جارية على خدوده ، ثم إنه يصرخ تارة ويضرب برأسه الأرض تارة غير أننا لا نفهم لسانه ، ثم إنه دار حول النار فلم يجد أحدا فتتبع الأثر حتى أتى الشجرة ووقف ، ثم شال رأسه فوجدنا جميعا فمد زلومته وجعل يتناولنا من أعلى الشجرة واحدا بعد واحد فكل من ينزله يشم رائحته ثم يقبضه بزلومته ويعلو به ويخبطه بالأرض ويدوسه برجله ويفتته حتى لم يترك منا غيري ، ثم مد خرطومه فتناولني وكنت أعلاهم وحطني في الأرض وشمني فلم يجد رائحة لا في فمي ولا في يدي ، فسجد لي ثم إنه ألوى خرطومه علي ورفعني وأركبني على ظهره وأنا خائف أن يفعل بي مثلما فعل بأصحابي وأنا أترقب الموت ساعة بعد ساعة ، ثم سار بي سيرا عنيفا إلى قرب الظهر وكلما مر على شجرة تناول منها ثمرا يأكل بعضا ويناولني بعضا حتى وصلنا إلى بحيرة ماء أحمر وأنا لا أشك انه دم أحمر لشدة حمرته هذا والفيل قائم في ذلك البحر ثم مد خرطومه وشرب من الماء وأخذ بزلومته وهذه في الهوى فإذا هو ماء أبيض رائق صاف ، فعلمت أنه ماء فصار يأخذ على زلومته ويناولني في فمي وأنا أشرب ، فلما علم اني ارتويت مد خرطومه إلى قعر البحر وشرع يطلع منه حجرا أحمر يناولني وأنا على ظهره ، فنظرته فإذا هو ياقوت أحمر وكانت حمرة الماء من حمرة الأحجار إلى أن ناولني شيئا منها كثيرا لا أقدر حمله ، فطلع بي الساحل وسار بي يقطع البر حتى أتى بي إلى مكان فيه أثر